طرابلس: يرى الأستاذ الدكتور أحمد درويش، وكيل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة في محاضرته التي ألقاها تحت عنوان "إنقاذ اللغة، إنقاذ الهوية" التى نظمها واستضافها المركز العالمى لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر: "إن الهزيمة الحقيقية لأى شعب أو أمة هى هزيمة الثقافة" داعيا للنظر على نتاج الحرب العالمية الثانية، من الذى كسر ومن الذى انتصر.
حيث يؤكد - كما نقلت عنه جريدة "العرب اللندنية" - أن أمة كاليابان قد هزمت بعد أن فقدت أسلحتها وثرواتها وخبراتها، ولكنها بقيت فقط متمسكة بلغتها الأم وبتقاليدها وثقافتها، وبمكونات الهوية الحقيقية هذه استطاعت أن تطفو مرة أخرى، لا بل وأن تتصدر قائمة الأقوياء، ونرى ذلك فى الأمم الأصغر حجما كذلك، فالكوريون أيضا استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم القومية وتقاليدهم البسيطة، ولم يغلقوا النوافذ أمام الثقافات الأخرى، واحتفظوا بحروفهم وكلماتهم ولم يعتبروها عاراً أو تأخراً، واستفادوا مما عند الآخرين، ولكنهم لم ينبهروا فيلقوا بالأسلحة التى بين أيديهم. نحن بحاجة إلى أن نتعلم من هذا الدرس، نحن محتاجون إلى أن نتأمل مفهوم الخسارة الكبرى للشعوب عندما تتنازل عن هويتها، إن الشعب يستعبد عندما يسلب اللسان الذى تركه له الأجداد ليضيع للأبد.
فى نهاية القرن الماضى أصدرت منظمة اليونسكو قائمة باللغات التى ماتت خلال قرن، فكان منها 300 لغة، لكن الأكثر فزعا أنها أصدرت قائمة باللغات المرشحة للموت فى القرن الجديد، وكانت من بينها العربية، قيل إنها لغة تجف على لسان أهلها، ويستبدلون بها لغات أخرى فى تعاملهم مع العالم ويلجؤون إلى غيرها فى التعليم والمؤتمرات، وحتى عندما يعطيهم العالم فرصة فيعترف بلغتهم فى المحافل الدولية، يفضلون العدول عنها.
وقبل القاء المحاضرة، يستشهد د. بشير العترى فى تقديمه للمحاضر بنص أورده "نيكلسون" فى كتابه "الأدب العربي" يقول : إن كثيرا من نصارى إسبانيا تشبهوا سريعا بالحضارة الإسلامية، فوجدنا "الفارو" أسقف قرطبة فى منتصف القرن التاسع يشكو من أن إخوانه فى الدين يقرئون قصائد العرب وقصصهم، ويدرسون ما يكتبه علماء الكلام والفلاسفة المسلمين، لا ليدحضوه ولكن ليكتسبوا القدرة على التعبير بالعربية تعبيرا صحيحا جميلاً، وقال الأسقف حينها : إن جميع الشباب المسيحيين ذوى المواهب الرائعة لا يعرفون إلا لغة العرب وكتاباتهم وهم يقرؤون ويدرسون الكتب بأعلى همة وينفقون أموالا ضخمة فى جمعها ليضموها إلى مكتباتهم، ويعلنون فى كل مكان أن هذا الأدب يدعو إلى الإعجاب، واأسفاه، لقد نسى المسيحيون لغتهم، فلا نكاد نجد بين الآلاف منا واحدا يستطيع كتابة رسالة إلى صديق له بلاتينية محتملة.
وقال د. درويش: لا تعرف لغة من اللغات الحية امتداداً لأكثر من خمسة قرون، وهذه حقيقة علمية، لا يستطيع الطالب الانجليزى اليوم أو الفرنسى أو الألمانى أو الاسبانى أو الروسى أن يمتد بثقافته الطبيعية إلى القرن الرابع عشر، فيقرأ لغته أو التى يظن أنها لغته، سيجد نفسه أمام لغة أخرى ومرحلة أخرى، ولكن فقط فى حال اللغة العربية مازلنا حتى الان نستطيع أن نقرأ ونفهم ما تركه لنا علماء وأدباء ما قبل الإسلام من كتب وآداب، حتى ذو الثقافة العادية اليوم يمكنه أن يقرأها ويفهمها بشكل صحيح ودون عناء يذكر.
يذكر ان الأستاذ الدكتور احمد درويش حاصل على الدكتوراه فى الدراسات الأدبية من جامعة السوربون، يعمل أستاذا ووكيلا لكلية دار العلوم جامعة القاهرة حاليا، عميد كلية الآداب جامعة السلطان قابوس عمان سابقا، مقرر لجنة الأدب فى المجلس الأعلى للثقافة حاليا، له عدد من المؤلفات والدراسات تربو على خمسة وعشرين كتابا من بينها ثلاثة دواوين شعرية.